منصة المقررات الدراسية أخبار الكلية
عن الكلية الاقسام
الطلاب هيئة التدريس
الوسائط الجودة
وحدة القياس والتقويم خدمات الكترونية
وحدات المزيد
الخريجين شكاوى ومقترحات ابحاث علاقات ثقافية
التحصيل الإلكترونى


بحرٌ من الأسلاك: قراءة في المعرض الاستيعادي للأستاذ الدكتور/ محمد عبد اللاه وسيميولوجيا الانكسار
تاريخ النشر: 2026-05-01



يأتي المعرض الاستيعادي للأستاذ الدكتور/ محمد عبد اللاه الذي أقيم بكلية التربية الفنية ليقدم قراءة بصرية معمقة ومسيرة فنية حافلة بالبحث في قضايا الهوية والوجود، حيث تتجلى في أعماله تجربة مشحونة بالانكسارات الوجودية والسياسية. يمزج الفنان في هذا العرض بين الفن التشكيلي والخطاب الإعلامي المكثف، واضعاً المشاهد داخل نشرة أخبار مستمرة لا تنتهي من خلال الاستخدام المتكرر لعبارة "Breaking News". هذه العبارة لا تنقل صوراً واقعية فحسب، بل تستحضر جوهر الانكسار العربي عبر الرمز، حيث تهيمن الخريطة على الوعي البصري وتظهر خريطة فلسطين تارة كخلفية باهتة خلف "فرس بحر" مقيد، وتارة أخرى كفراغ أسود ممزق وسط التكوين.
الأرقام الحاضرة في أعمال الدكتور محمد عبد اللاه، مثل 48 و 67، لا تظهر هنا كأرقام حسابية عابرة، بل كتوثيق تاريخي لأعوام الحروب والانكسارات الكبرى، النكبة والنكسة، وهي معلقة كبطاقات تعريفية جنائزية على كائنات بحرية تحولت إلى ضحايا مرقمة في سجلات الصراع. يستخدم الفنان الأسلاك الشائكة كعنصر هيكلي أساسي يجسد حالة الحصار، فهي تقسم اللوحة وتخترق أجساد الكائنات بحدة، مما يحول البحر من فضاء للحرية إلى زنزانة مائية محاطة بالتسييج. هذا التضاد بين ليونة الكائنات وقسوة المعدن يخلق حالة من الاختناق البصري، وتعززها الدراما اللونية التي يسيطر عليها الأخضر الشاحب الموحي بالذبول، والأحمر الصارخ الذي يبرز كإشارة للخطر والنزيف المستمر.
في هذا المعرض الاستيعادي، نلمس كيف تطورت أدوات الفنان في التعبير عن المأساة، حيث تظهر الوجوه البشرية كأنها أرواح منكسرة معلقة في إطارات خشبية باردة، شاهدة على زمن لا يتوقف عن التآكل. وتصل المجموعة إلى ذروة تعبيرها عبر "التشريح الرمزي" لأجساد الأسماك، فنرى سمكة مهيكلة تعكس الهزال والضياع، وأخرى مسجاة ومكفنة بقطعة قماش توحي بالشهادة أو الموت. كما يبرز رأس الكبش ليعزز فكرة القربان والضحية وسط هذا المحيط المتلاطم من الحروب.
إن هذا الدمج الفريد الذي يقدمه الأستاذ الدكتور محمد عبد اللاه بين عالم البحار والرموز التاريخية يعكس وحدة الألم الإنساني، حيث نجح في تحويل "السمكة" من رمز للحياة والوفرة إلى أيقونة للانكسار والحصار. المعرض في مجمله ليس مجرد عرض فني، بل هو صرخة بصرية ووثيقة تاريخية ترصد زمناً يسكنه الخبر العاجل وتغيب عنه العدالة، بينما تسبح الكائنات في بحر من الأسلاك بانتظار نهاية لهذا الانكسار الطويل .




































******اضغط هنا لتحميل المرفقات*****